شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
Admin
المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 08/10/2018
العمر : 72
الموقع : السعوديةُ
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://successful-together.ahlamontada.com

المذهب الحنفي والمذهب الشافعي

في الثلاثاء أكتوبر 23, 2018 10:57 pm
المذهب الحنفي
المذهب الحنفي أقدم المذاهب الأربعة المعمول به عند المسلمين اليوم. وقد كُتب له البقاء والتغلب على سواه من مذاهب أهل السنّة. أَنشأ هذا المذهب الإمام أبو حنيفة النعمان الكوفي المولود سنة 80 هـ / 699م والمتوفى في بغداد سنة 150 هـ / 767م.
وكان منشأ هذا المذهب في الكوفة ثم انتشر في سائر بلاد العراق. ويقال لأصحابه "أهل الرأي" لأن الحديث كان قليلا في العراق فاستكثروا من القياس وبرعوا فيه.
انتشر المذهب الحنفي في كل بلد كان للدولة العباسية سلطانٌ فيه. ويقال أنه لما قام هارون الرشيد بالخلافة ولَى القضاءَ أبا يوسف صاحب أبي حنيفة الذي أصبحت تولية القضاء بيده، فلم يكن يولّي ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر وأفريقيا إلّا من أشار به من أصحابه والمنتسبين إلى مذهبه، حتى قال ابن حزم: "مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: "الحنفي بالمشرق والمالكي بالأندلس". وقد ساد المذهب الحنفي في الشام شعباً وحكومةً وأصبح مذهباً رسمياً.
وصف المقدسي في "أحسن التقاسيم" مذهب الشام وفلسطين في القرن الرابع الهجري فقال: "تكاد لا تخلو قصبة أو بلد من حنفي، وربما كانت القضاة منهم". ولما جاء الفاطميون أزالوا سلطان المذهب الحنفي، مذهب الدولة العباسية المناوئة لهم في المشرق، وأحلوا محله المذهب الشيعي. وفي عهد الدولة الأيوبية (وكان سلاطينها شافعية) قوي نفوذ المذهب الشافعي. ولكن احتفظت بقية المذاهب، وفيها المذهب الحنفي، بمكانتها وكانت تعقد حلقات المناظرة بين الشافعيين والحنابلة.
رتب صلاح الدين في المسجد الأقصى أربعةً من الأئمةِ للمذاهب الأربعة، وكان إمام الحنفية يصلي بقبة الصخرة المشرفة. ولم يقتصر دور الحنفية على الإمامة في الصلاة بل عملوا في الإفتاء والتدريس والمناظرة.
وقد حصل قاضي القضاة الإمام خير الدين محمد بن محمد بن عمران الغزي المقدسي الحنفي على الإذن بالإفتاء والتدريس وبرع في مذهب الإمام أبي حنيفة وتميز وصار من الأعيان المعتبرين. ثم ولي قضاء الحنفية بالقدس وباشر القضاء واستقر في الإمامة بالصخرة حتى انتهت إليه رياسة مذهب أبي حنيفة بالقدس.
وقف السلاطين والأمراء وفاعلو الخير المدارسَ والزوايا على المذهب الحنفي، ومن هذه الزوايا الزاوية الحنفية بجوار المسجد الأقصى خلف المنبر وقفها صلاح الدين الأيوبي سنة 587هـ / 1191م على جلال الدين الشاشي الفقيه الحنفي.
شاهد ابن العربي مدارس القدس، ولاسيما مدرسة أبي عقبة، وكان يدخلها كل يوم ويحضر التناظر فيها بين الطوائف. ولفت نظره حلقة الشيخ القاضي الريحاني شيخ المدرسة، وكان يقوّي في هذه الحلقة الحوار بين الحنفية وغيرهم.
ومن أهم المدارس الحنفية في العصر المملوكي المدرسة المعظمية نسبة إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى. فقد كان الملك المعظم حنفي المذهب فشجع على انتشار المدارس الحنفية. ولكنه لم يكن متعصباً لمذهبه فكان يباحث العلماء والفقهاء في دقائق العلوم. وقد قدم إلى بيت المقدس سنة 623هـ / 1226م فاستدعى الفقهاء وباحثهم في مسائل لغوية وفقهية متنوعة. وكان يسأل شيوخ المدرسة الصلاحية الشافعية في أمور فقهية ويظهر استحسانه لرأيهم.
ومن شيوخ المدرسة المعظمية الحنفية بالقدس الشريف الشيخ الإمام كمال الدين أسماعيل الشريحي الحنفي. وقد درّس في المدرسة المعظمية كتاب الهداية في الفقه لسنين كثيرة، وسمع وأجاز للكثيرين من تلاميذه إقراء القرآن، وصحح بعضَ ما حفظه من الكتب.
ومن شيوخها أيضاً شمس الدين أبو عبد الله محمد الديري. وقد اشتغل بالعلوم وبرع ودرس وأفتى وانتفع الناسُ بفتاويه.
ومنهم أيضاً قاضي القضاة خير الدين أبو المواهب خليل بن عيسى الباترتي الحنفي. وهو أول من ولي قضاء الحنفية بالقدس الشريف بعد الفتح الصلاحي، وقاضي القضاة في القدس من قبل الملك الظاهر برقوق سنة 784هـ / 1383م.
ومنهم أيضاً قاضي القضاة الإمام علاء الدين أبو الحسين علي بن شرف الدين عيسى بن الرصاص الحنفي الذي تولى قضاء صفد وأفتى ودرّس بالمدرسة المعظمية الحنفية.
ومن المدارس الحنفية المشهورة في العصر المملوكي أيضاً المدرسة المنجكية.  ومن أعيان علمائها المعتبرين قاضي القضاة شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جمال الدين الديري الخالدي الحنفي نسبة إلى قرية الدير بالقرب من مردى من بلاد نابلس. وقد أفتى الشيخ الديري في المدرسة ودرّس وحدث فاشتهر اسمه وشاع ذكره ولم يكن له نظير في عصره. ومن شيوخ هذه المدرسة أيضاً الإمام سعد الدين أبو السعادات ابن شمس الدين الديري الحنفي.
والمدرسة العثمانية، ومن أشهر شيوخها الإمام سراج الدين بن مسافر بن زكريا الحنفي عالم الحنفية بالقدس. ومن شيوخها بعده جمال الدين بن شرف الدين الرومي الحنفي. وكان يكتب على الفتوى عبارة "حسنة" رغم كونه رومياً.
والمدرسة القادرية، ومن أشهر شيوخها الإمام العالم شرف الدين أبو الأسباط يعقوب بن شرف الدين الرومي الحنفي، وكان من أكابر علماء الحنفية حتى قيل في حقه: "ماتريديّ زمانه" لأن الحنفية يتبعون في العقائد مذهب الإمام أبي منصور محمد الماتريديّ الحنفي. وقد درس عليه الطلبة وانتفعوا به وأفتى ودرّس وتخرج على يديه الكثير من الأعيان.
والمدرسة التنكزية، ومن أشهر مشايخها الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن النقيب وولده شمس الدين محمد المشهور بالعجمي. وقد كانا من الفقهاء المشهورين بالفتوى والتدريس.
يضاف إلى ما تقدم المدارس الحنفية الأخرى بالقدس مثل الوفائية والغزية والصبيبية والجوهرية.
ركّز الأساتذة العلماء في هذه المدارس على الفقه الحنفي. وكان من أمهات الكتب في هذا المجال كتاب الهداية في الفقه الحنفي، والكنى في الفقه لحافظ الدين النسفي، والمصابيح للإمام البغوي، وكتاب مشارف الأنوار للصاغاني، وكتاب الكنز في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة.
ولم يقتصر الأمر على تدريس هذه الكتب فشرحت شروحاً كثيرة في أثناء تدريسها وعلّق عليها، كما حُفظ بعضها ورُوي.
ومن الكتب التي شُرحت مقدمة أبي الليث السمرقندي. ومن الكتب المؤلفة المشهورة في الفقه الحنفي: "المسائل الشريفة في أدلة أبي حنيفة" في أربع مجلدات لمحب الدين بن الشحنة.
وفي العهد المملوكي تحوّل كثير من فقهاء الشافعية إلى المذهب الحنفي وقاموا بالتدريس بالمدارس الحنفية. وكان بعض هذا التحول نتيجة اقتناع بالمذهب، أو بقصد التدريس والإمامة الحنفية، تماماً كما تحوّل بعض فقهاء الحنابلة إلى المذهب الشافعي للتدريس بالمدرسة الصلاحية، أو من أجل استلام مركز القضاء والإمامة.
ومن هؤلاء شيخ المدرسة الغزية شهاب الدين أبو العباس أحمد الذي كان أولا على المذهب الشافعي فانتقل إلى مذهب أبي حنيفة. والشيخ سعد الدين بن حسين الفارسي وكان على مذهب الإمام الشافعي فانتقل إلى مذهب أبي حنيفة وفضُل فيه وتصدّر بالصخرة الشريفة لتدريس الطلبة والفتوى فانتفع به جماعة من فقهاء الحنفية.
ومنهم الشيخ زين الدين عبد السلام بن أبي بكر الكركي الحنفي وكان أيضا على مذهب الشافعي فقدم إلى بيت المقدس وانتقل إلى مذهب أبي حنيفة وأذن له بالإفتاء والتدريس فدرس عليه الطلبة ودرّس بالمعظمية.
وبالمقابل تحول بعض فقهاء الحنفية إلى المذهب الشافعي ليتولوا القضاء أو ينالوا مرتبة التدريس بالمدرسة الصلاحية. ومن هؤلاء الشيخ شمس الدين الهروي الحنفي وكان حنفياً فرأى وظيفة المدرسة الصلاحية ومعلومها، ولم يرَ للحنفية شيئاً فسعى فيها وأخذها من ابن الهائم. ثم سعى ابن الهائم جهده حتى أشركوا بينهما سنة 814هـ / 1412م فقال: "لما دخلت القدس رأيت الرياسة بهذه البلاد للشافعية فصرت شافعياً".
ولما استولى العثمانيون على مصر حصروا القضاء في الحنفية وأصبح المذهب الحنفي مذهب أمراء الدولة وخاصتها ورغب أهل العلم فيه لتولّي القضاء. وحينما جاء محمد علي ألغى العمل بالمذاهب الأخرى غير المذهب الحنفي في مصر، بينما كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي في القضاء. وكان للمذهب الشافعي مكانة بين الشعب الشامي.
ويلاحظ أن المذهب الحنفي لا يزال سائداً حتى اليوم في البلاد التي كان سائداً فيها من قبل.

المذهب الشافعي
المذهب الشافعي نسبة إلى الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس القرشي الهاشمي الشافعي المولود بغزة سنة 150هـ 767م والمتوفى في مصر سنة 204هـ / 819م. ومذهبه ثالث المذاهب الأربعة في القدم. وقد أخذ الشافعي عن الإمام مالك ثم رحل إلى العراق فأخذ عن أصحاب أبي حنيفة ومزج طريقة اهل الحجاز بطريقة أهل العراق، واختص بمذهب خالف فيه مالكاً في كثير من الأمور.
والمعروف أن الشافعي قدم إل بيت المقدس وصلّى فيه وقال: "سلوني عمّا شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة رسوله". ونهج منهج التوفيق فوقف موقفاً وسطاً بين البحث الحر في الفقه والتقليد. ويقول أصحاب الطبقات: إن ظهوره كان أولاً بمصر، ثم ظهر بالعراق وغلب على بغداد وبلاد خراسان والشام واليمن وفارس والحجاز والهند.
انتشر مذهب الإمام الشافعي في فلسطين فكانت من معاقل الشافعية في القرن الثالث الهجري. وفي القرن الذي تلاه أخذ الشافعية يتنازعون مكانة الأوزاعية في الشام وفلسطين واستأثروا بالقضاء فيهما.
ولما قامت الدولة الفاطمية أصبح العمل لدى أكثر الناس فيها على المذهب الفاطمي. ولما قضى صلاح الدين على دولة الفاطميين رجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل الشام والعراق. وأخذ الأيوبيون في إنعاش مذاهب السنة ببناء المدارس لفقهائها وخصوا المذهب الشافعي بالقضاء لكونه مذهب الدولة الرسمي. وكان بنو أيوب كلهم شافعية إلّا المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب فإنه كان حنفياً وتبعه أولاده في ذلك. ثم لما جاءت دولة المماليك البحرية كان سلاطينها شافعية فاستمر العمل في القضاء على ذلك حتى أحدث الملك الظاهر بيبرس القضاة الأربعة وميّز الشافعي بتولية النُوّاب في سائر البلاد وأفرده بالنظر في مال الأيتام والأوقاف. وكانت له المرتبة الأولى يليه المالكي فالحنفي فالحنبلي. واستمر الأمر على ذلك في دولة المماليك الشراكسة حتى استولى العثمانيون على البلاد فأبطلوا القضاة الأربعة وحصروا القضاء في الحنفي. ولكن ذلك لم يؤثر في انتشار المذهب الشافعي والمالكي في مصر وفلسطين فبقيا غالبين وكان الشافعي أغلب على الوجه البحري وبقيت مشيخة الأزهر محصورة في علماء الشافعية حتى عام 1287هـ / 1870م.
وقد استُشهد عدد من فقهاء الشافعية أثناء سقوط القدس بيد الصليبيين سنة 492هـ / 1098م. ومن هؤلاء الفقهاء الشيخ أبو القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسين بن القاسم الأنصاري الرملي الشافعي الحافظ، وكان مولده سنة 432هـ / 1038م. وكان قد شرع في تأريخ بيت المقدس وفضائله. ولما أخذ الصليبيون بيت المقدس أخذوه اسيرا فقتلوه.
ومنهم أبو القاسم عبد الجبار بن أحمد بن يوسف الرازي الشافعي الذي استقر ببيت المقدس إلى أن استشهد.
وحينما استرد صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس سنة 583هـ / 1187م عادت للمذهب الشافعي مكانته فغلب على بقية المذاهب في فلسطين. وقد كان صلاح الدين شافعياً فأقام المذهب الشافعي في فلسطين وعين إماماً شافعياً يصلي بالجامع الكبير القبليّ المتعارف عليه عند الناس بالمسجد الأقصى، ووَلّى الشافعية القضاء.
لم يقتصر دور الإمام في المسجد الأقصى على الإمامة في الصلاة بل اشتغل بالعلم والتدريس. وتولّى بعض أئمة المسجد الأقصى المشيخة أو التدريس في إحدى المدارس الشافعية. وتشعب تدريسهم فلم يقتصر على الفقه الشافعي ودرّسوا موضوعات مختلفة من قراءات وحديث وفقه ولغة ونحو وبلاغة وتصوف.
وكان الفقه الشافعي مادة رسمية تدرّس في المسجد الأقصى. وكان العلماء يركّزون على تدريس عدد من كتب المذهب الشافعي بالإضافة إلى الإفتاء والتدريس.
ومن أشهر المدارس التي أُنشئت في القرنين السادس والسابع الهجريين / الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين المدرسة الصلاحية التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي بالقرب من سور القدس من جهة الشمال باب الأسباط ووقفها على فقهاء الشافعية سنة 588هـ / 1192م. وكانت وظيفة مشيختها من الوظائف السَنِيّة في مملكة الإسلام. وفوّض تدريسها إلى بهاء الدين بن شداد القاضي المشهور صاحب كتاب السيرة الصلاحية المعروف "بالنوادر السلطانية"، وجعل النظر في أوقاف المدرسة إليه ونصّ على ذلك في كتاب وقفه فقال فيه: "رضاءً بأمانته واعتقاداً في كفايته واعتماداً على ديانته".
واشتهر من شيوخها أيضاً ابن عساكر الدمشقي شيخ الشافعية بالشام. وكان يتنقل بين المدرسة الصلاحية بالقدس والمدرسة التقوية بدمشق. ومنهم أيضاً تقي الدين أبو عمر بن أبي الّنصْر النّصري المشهور بابن الصلاح، وكان العمدة في زمانه على فتاويه. وقد اشتهر بالتفسير والحديث والفقه على مذهب السلف، وكان يرى الكف عن التأويل ويؤمن بما جاء من عند الله ورسوله على مرادهما وله مصنفات كثيرة.
كانت هذه المدرسة مصدر إشعاع علمي وثقافي، وكان الفقهاء من داخل فلسطين وخارجها يجتمعون فيها للدرس والمناظرة. فقد كان يفد إلى القدس عدد من العلماء من خراسان يقومون بمحاورات مع شيوخ الشافعية. وممّن اشتهر بالمناظرات الفقهية أبو الفضل عطاء القدسي شيخ الشافعية بالمسجد الأقصى، والقاضي يحيى بن علي المعروف بابن الصائغ. وذكر ابن العربي في رحلته التي قام بها إلى بيت المقدس أنه شاهد هناك عددا من المدارس منها مدرسة عند باب الأسباط كان فقهاء الشافعية يجتمعون فيها للدرس والمناظرة، ومنهم عطاء المقدسي وابن الصائغ.
ظلت المدرسة الصلاحية مركز إشعاع علمي وثقافي طوال قرون. فقد استمر فيها التدريس وعَقدُ مجالسِ العلم والإفتاء. واشتهر من الذين درسوا فيها في القرن التاسع الهجري علاء الدين القلقشندي الذي وُلد في القدس سنة 804هـ / 1402م. فقد عُيّن معيداً فيها ووُلّي الخطابة بالمسجد الأقصى. وكانت وفاته سنة 874هـ / 1469م.
ومنهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عمر العميري المقدسي المولود في القدس سنة 832هـ / 1429م. وقد اشتغل في القدس واعظاً ومدرساً ومفتياً، وتوفّي سنة 890هـ / 1485م.
ومن المدارس الفقهية التي أُسّست للفقهاء الشافعيين المدرسة الناصرية على برج باب الرحمة في القدس. وتعرف بالمدرسة الغزالية نسبة إلى أبي حامد الغزالي الذي أقام فيها وقضى أوقاته في العلم والعبادة، وصنّف وشارك في الحركة الفقهية وأخذ عنه طالبو العلم. ويقال إنه صنّف فيها "إحياء علوم الدين" كما صنف لأهل القدس مصنفاً سماه "الرسالة القدسية في قواعد العقائد".
ومن أشهر شيوخ المدرسة الناصرية أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي. وقد أخذ عنه طالبو العلم وسمعوا منه واشتغل بالتدريس والإفتاء والتقى به الغزالي وأخذ عنه ابن العربي.
ومن المدارس الشافعية أيضاً المدرسة البدرية نسبة إلى واقفها بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهكاري أحد أمراء الملك المعظم، وقد وقفها على فقهاء الشافعية. والمدرسة الميمونية عند باب الساهرة، وقد وقفها الأمير فارس الدين أبي سعيد ميمون خازندار السلطان صلاح الدين على فقهاء الشافعية أيضاً.
قامت هذه المدارس بدور هام في خدمة المذهب الشافعي فتنوّع العمل فيها بين تدريس الفقه الشافعي للطلاب والتركيز على الكتب المهمة في المذهب وشرحها والتعليق عليها.
وكتاب "مختصر المزني في فروع الشافعية" هو أحد الكتب الخمسة المشهورة بين الشافعية. وقد صنفه الشيخ الإمام إسماعيل بن يحيى المُزني الشافعي المتوفّى سنة 264هـ، وهو أول من صنف في مذهب الشافعي. وقد حظي هذا الكتاب باهتمام كبير فشُرح وفُسّرت ألفاظه وعُلّق عليه واختُصِرَ. وهناك شرح كتاب سنن أبي داود، وشرح منهاج البيضاوي، وشرح البخاري.
شارك العلماء الشافعية في حركة التأليف فصنّفوا مصنّفاتٍ كثيرةٍ في الفقه والحديث مثل مُشْكِل الوسيط، وكتاب الفتاوي، وأدب المفتي والمستفتي، وطبقات الفقهاء الشافعية الذي اختصره النووي واستدرك عليه. وهذه المصنفات جميعاً لشيخ الإسلام تقي الدين أبي عمر بن أبي النصر النصري السالف الذكر. وهناك أيضاً كتاب الذخائر لأبي الفتح سلطان بن إبراهيم بن مسلم القدسي الشافعي.
ومن العلماء الشافعية من كان يشجع على الاشتغال بالعلم منفقاً على الطلبة من ماله. ومن هؤلاء الشيخ برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن أحمد العجلوني المقدسي الشافعي. فقد ذكر أنه انتمى إليه فقراء الناس لإقرائهم فأقرأهم. وكان ينفق على من كانوا ينتمون إليه فافتقر بعد أن بذل كلَّ ماله في سبيل العلم والتعليم.
ومن علماء الشافعية أيضاً من اشتغل بالعلم تبرعاً. ومن ذلك ما ذُكر عن شيخ الإسلام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن حسن الرملي المقدسي الشافعي المعروف بابن رسلان، وهو من أشهر العلماء في بيت المقدس. فقد آثر الاشتغال تبرعاً ورفض أن يلي مشيخة مدرسة الأمير حسام الدين ناظر القدس والخليل عندما عرضها عليه وقرر له عشرة دراهم فضية يومياً.
ظلت وظيفة التدريس في المدرسة الصلاحية لأتباع المذهب الشافعي وحدهم، وقد عمد بعض شيوخ الحنفية إلى التدريس فيها فساروا على مذهب الشافعي. ومن هؤلاء قاضي القضاة شمس الدين الهراوي الذي دخل القدس وكان حنفياً فصار شافعياً. وكان يقرأ المذهبين مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي.
وكان الملك المعظم عيسى (وكان حنفياً) بعد قدومه إلى بيت المقدس سنة 623هـ / 1226م يستدعي الفقهاء الشافعية من المدرسة الصلاحية ويباحثهم في مسائل لغوية وفقهية متنوعة ويظهر استحسانه لرأيهم.
وعلى ذلك تكون القرون الأخيرة التي سبقت ظهور العثمانيين هي العصر الذهبي للمذهب الشافعي. فقد كان له فيها السلطان المطلق على بلاد الإسلام الوسطى.
وعلى كلّ حال لا يزال للمذهب الشافعي المكانة الأولى في بعض بلاد الشام. وقد ذكر المقدسي في "أحسن التقاسيم" أن الفقهاء بإقليم الشام في زمنه، أي في القرن الرابع الهجري، كانوا شافعية. قال: "ولا ترى به مالكياً ولا داوديّاً". والملاحظ أن البلاد التي دخلها المذهب الشافعي في الماضي لا تزال عليه حتى الآن.
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى